جلال الدين السيوطي
93
الأشباه والنظائر في النحو
الأفعال وليست مفعولة ؛ وإنّما هي مفعول بها . ومن ضرورة قولنا ( مفعول به ) أن يكون المفعول غيره ، ومعنى قوله النّحاة مفعول به : أنّه مفعول به شيء من الأحداث ، والمفعول هو ذلك الحدث الواقع به ، وهو المصدر ، وسمّاه النحاة مفعولا مطلقا ، بمعنى أنّ ما سواه من المفاعيل مفعول مقيّد ؛ فإنّك تقول مفعول به ، ومفعول فيه ، ومفعول له ، ومفعول معه ؛ وليس فيها مفعول نفسه إلّا المصدر ، فهو المفعول المطلق أي المجرّد عن القيود ، وهو الصادر عن الفاعل وهو نفس فعله ؛ وأمّا المضروب والمأكول والمشروب فلم يصدر عن الفاعل وإنما صدر عن الفاعل شيء أثّر فيه ، . ومن تدبّر قول النحاة : « مفعول به » ، عرف ذلك وأنّ المفعول غيره . وأطلقوا عليه « اسم مفعول » ولم يقولوا : « اسم مفعول به » لفهم المعنى في ذلك ؛ والشخص في نفسه مضروب بمعنى أنّ الضرب واقع به ، ولا يقال مضروب به ، بل هو مضروب نفسه ، والمعنى وقوع الضرب به ، وذلك مفهوم من معنى الفعل لا من معنى اسم المفعول . ولا يبنى اسم مفعول للمصدر ، وإن كان هو المفعول المطلق ، فلا يقال للضّرب مضروب ؛ وكذلك لا يبنى اسم مفعول من الفعل اللازم إلّا أن يكون مقيّدا بظرف ونحوه . وهذه الأمور كلّها واضحة من مبادئ النحو ، أشهر من أن تذكر ، ولكنّا احتجنا إلى ذكرها ، وكلّ فعل لم يبن منه اسم مفعول لم يقل عنه إنّه متعدّ بل هو لازم وإن كان له مفعول حقيقيّ وهو الفعل ، والعمل هو الفعل ، وهو المفعول المطلق ، فهو مصدر وليس مفعولا به ، ولا يبنى له اسم مفعول فلا يتعدّى فعله إليه تعدّي الفعل إلى المفعول به ، بل تعدّيه إلى المصدر ، فلذلك لم يجز أن يكون « عملت عملا صالحا » متعدّيا إلى ( صالحا ) على المفعول به . الثاني : أنّ الفعل الاصطلاحي يدلّ على معنى وزمان ، وذلك المعني سمّاه النّحاة حدثا وفعلا حقيقيّا ، وسمّوا اللفظ الدالّ عليه مصدرا ومفعولا مطلقا . وهذه الألفاظ صحيحة باعتبار غالب الأفعال ؛ وقد يكون المعنى الذي يدلّ عليه الفعل قائما بالفاعل فقط ، من غير أن يكون صادرا عنه كالعلم ؛ بل قد لا يكون حدثا أصلا ، ولا فعلا حقيقيّا كالعلم القديم ؛ فإنّك تقول : « علم اللّه كذا » ، فالمعنى الذي يدلّ عليه هذا الفعل - وهو العلم القديم - ليس بفعل ولا مفعول ولا حدث ، بل هو معنى قائم بالذات المقدّسة على مذهب أهل السّنّة . وتسمية ما اشتقّ منه فعلا أمر اصطلاحيّ ؛ وقصدي من هذا التنبيه على أنّ تسمية النحاة المصدر مفعولا مطلقا وفعلا ليس مطّردا في جميع موارده . وقد تنبّه بعض النّحاة لما ذكرنا من غير أن يوضّحه هذا الإيضاح بل اقتصر على تقسيم المصدر إلى معنى قائم بالفاعل كالفهم والحذر ، وإلى صادر عنه كالضّرب والخطّ وإن كان الضرب والخطّ قائمين بالفاعل